السيد محمد تقي المدرسي
88
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
فأهل الذكر هم المسؤولون في حدود البينات والزبر . ( ولعل البينات تعني الأحكام الشرعية والعقلية الواضحة ، بينما الزبر تعني الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة ) . وفي حديث مفصل عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، يروي الإمام عن جده الإمام الصادق عليه السلام حديثاً حول الآية الكريمة التي تذم اليهود باتباعهم علمائهم ، حيث يقول ربنا سبحانه : ( وَمِنْهُمْ امِّيُّونَ لَايَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) . فقال رجل للإمام الصادق عليه السلام : فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعون من علمائهم ولا سبيل لهم إلى غيره ، فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول من علمائهم . « 1 » وفي الجواب بيّن الامام نقطة الخلاف بين اليهود والمسلمين ، وقال : إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح ، وبأكل الحرام والرشاء ، وبتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات ، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم ، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه ، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم ، وظلموهم من أجلهم ، وعرفوهم يقارفون المحرمات ، واضطروا بمعارف قلوبهم « 2 » إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدّق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله . فلذلك ذمّهم لما قلّدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره ، ولا تصديقه في حكاياته . « 3 » وأضاف عليه السلام : وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر ، والعصبية الشديدة ، والتكالب على طعام الدنيا وحرامها ، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً ، والترفرف بالبر والاحسان على من تعصبوا له ، وإن كان للاذلال والإهانة مستحقاً . فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء ، فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم . فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلدوه . وذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة ، لا جميعهم . فأما من ركب القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة ، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة . « 4 »
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 87 . ( 2 ) أي علموا بوجدانهم معرفة لا ريب فيها كأنهم يضطرون إلى قبولها . ( 3 ) بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 87 - 88 . ( 4 ) المصدر ، ص 88 .